المحقق البحراني
184
الحدائق الناضرة
رجحان الفعل شرعا وقصد إلى ايقاعه لوجه الله سبحانه ، كفى من غير تعرض فيه لقصد وجوب أو استحباب . ( المقام السادس ) - المشهور بين الأصحاب ( رضوان الله عليهم ) جواز تقديم النية في الوضوء والغسل عند غسل اليدين المستحب ، بل حكم العلامة في المنتهى بالاستحباب ، وجوزه ابن إدريس في الغسل دون الوضوء ، فخص الجواز فيه بالمضمضة والاستنشاق ، ومنع صاحب البشرى من ذلك مطلقا ، وأوجب التأخير إلى أول الأفعال الواجبة ، نظرا إلى عدم دخول ما تقدم في مسمى الوضوء أو الغسل حقيقة ، وأيده بعضهم بأنه كيف ينوي الوجوب ويقارن به ما ليس بواجب ويجعله داخلا فيه ؟ ولهذا لم يجوزوا تقديمها ومقارنتها لسائر المندوبات مثل السواك والتسمية اجماعا . أقول : ويؤيده أيضا أنه لو ساغ ذلك لجاز مثله في الصلاة أيضا ، فيقدم النية في أول الإقامة رخصة مع أنهم لا يجوزونه ، والفرق بين الموضعين غير ظاهر . وبالجملة فحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط . وخبر - ( إنما الأعمال بالنيات ) و ( لا عمل إلا بنية ) ( 1 ) مع تسليم حمل النية فيه على المعنى الشرعي ، باعتبار احتمال الباء فيه للمصلحة فيمتنع التقديم ، أو الملابسة المطلقة فيجوز ، أو السببية التي هي أعم من الناقصة والتامة فيحتملها - فيه - كما ترى - من الاجمال والاحتمال ما يخرج به عن حيز الاستدلال . وأنت خبير بأن الظاهر أن الأمر في هذه المسألة بناء على ما حققناه من معنى والنية هين ، فإن القصد إلى ايقاع الفعل لما كان مما لا يمكن الانفكاك عنه ولا الاصدار بدونه ، وأن المقارنة التي ادعوها لا دليل عليها ، فمن المعلوم أن المكلف متى جلس للوضوء عالما بكيفيته شرعا والغرض منه ، فلا يكون البتة إلا عن قصد إلى ايقاع هذه الكيفية متقربا بها ، وحينئذ فلا معنى لتقديم النية وتأخيرها ، أو أفراد كل من مستحباته
--> ( 1 ) المروي في الوسائل في الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات .